بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم ..
أما بعد : يجري الزمان يوما بعد يوم لحظة بعد لحظة .نفسا بعد نفس...
نلهث وراء التكنولوجيا والمستجدات اليومية..
ونترك خلفنا ماضيا كان زاهيا ... ويتلاشى وفاؤنا لمن لهم الفضل بعد الله في هذا الهواء الذي نتنفسه والحرية التي نتنسمها والأرض التي نطأها...
إنهم شهداء الثورة الجزائرية...ثورتنا المجيدة .
وقد أردت من خلال هذا الموضوع "المنقول" التذكير بشهدائنا الأبرار ...
إنها عينة بسيطة من شهداء الحب...حب الوطن والحرية...شهداء مارس رحمهم الله.
...****للأمانة مرة أخرى الموضوع منقول***...
شهداء شهر مارس الجزائر

سمو خاص ومتميز، ولكن الحياة المادية غرّت بنا والحضارة والعولمة والتمدن نقلونا إلى عالم التكنولوجيا والرقمية، ونسيناهم بل تناسيناهم ، وظننا أنهم من الماضي..تناسينا كل هذه الحقائق المتعلقة بتراثنا وتاريخنا العريق، بقينا تائهين ما بين الماضي والحاضر حتى نمت فينا سلوكات أخرى جديدة بعيدة عن واقعنا المعيش وعن عاداتنا ومعتقداتنا، جديدة حتى على مجتمعاتنا، غيّرت قيمنا وخلقنا، غيرت فينا كل ما هو راقي، برفيع، نبيل وروحاني، إلى كل ما هو دنيء، حقير وجامد، تقمصنا هذه الأدوار دون أن ندرك تبعاتها الوخيمة التي غيرت نظرتنا للحياة وللإنسان من روح راقية طاهرة إلى جسد جميل وجامد، من عقل منير إلى غريزة هائجة..
هكذا عدنا لا نتذكر هؤلاء الذين سطع نجمهم في السماوات العلا دون مال ولا جاه دون ملك ولا سلطة ولا تسلط..ولكن من هم هؤلاء الناس يا ترى؟
إنهم هؤلاء الأحياء الذين نحسبهم أموات، هؤلاء الذين قال فيهم الشاعر مفدي زكرياء:

نحن قوم أبـــاة ليس فينا جبــــان
قد سئمنا الحياة في الشقا والهوان
ليس فينا خؤون ينثني أو يهــون
أجلدوا.......عذبوا.......اشنقوا........واصلبــــــ ـــــــــــــوا
وأحرقوا......وخربوا...نحن لا نرهب.....!
نحن نفدي الجزائر....بالنفوس ......والدما... !
لا نمل الكفاح..لا نمل الجهاد..في سبيل البلاد



إنهم أولئك الذين قال فيهم الله جلّ وعلى:ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لا يضيع أجر المحسنين (آل عمران).
طبعا إنهم الشهداء الذين ضحوا بالنفس والنفيس وبكل ما يملكون من غال من أجل أن تحيا الجزائر مستقلة حرة..
هم الذين أعطوا للنضال والكفاح وللحرية ولحياة شكلا وطعما خاصا مغايرا .
شاءت الأقدار والصدف أن تجعل من هذا الشهر أي مارس- الشهر الذي تبدأ فيه الطبيعة في التجدد فتفتق البذور في جوف الأرض، وفيه تتفتح الأزهار والورود وفيه يأتي الربيع بكل ما لديه من ألوان وجمال للطبيعة وفيه تشتعل شموع الأمل والمستقبل..وفيه أيضا يموت الشهداء والعظماء..وبه تفتخر الجزائر وتعتز لأنها فقدت فيه خمسة من أعز قادتها إبان الثورة التحريرية.

في ليلة 22 إلى 23 مارس 1956، استشهد أسد الأوراس، أبو الثورة مصطفى بن بولعيد قائد الولاية الأولى بالجبل الأزرق إش أزز ببلدية دارة دائرة منعة ولاية باتنة في غموض شديد لا زال لغزا إلى يومنا هذا.
ولد في 05 فيفري 1917 بقرية إنركب دائرة أريس، ولاية باتنة، من عائلة ميسورة الحال ، تعلم القرآن الكريم في أريس ثم انتقل إلى مدينة باتنة حيث زاول دراسته الإعدادية ثم انتقل إلى قسنطينة، كان شهيدنا-رحمه الله- يعشق الجزائر ويحبها حبا جما، فقد كان قائدا سياسيا وعسكريا يتقن فن التنظيم والتخطيط، ويمتلك القدرة على الإقناع وتعبئة الجماهير بالقيم السامة والمثلى، نشأ تنشئة صالحة وتربى على حب الله والوطن فكان أول عمل خيري ينجزه هو بناء مسجد، كان يحب الخير للجميع، وكان مثالا وقدوة في الأخلاق الحميدة، لذلك كان محبوبا بين جميع رفقائه وكل من عرفوه قبل الثورة وبعد اندلاعها. كان متعدد الأبعاد ومتكامل الجوانب في رؤيته الواضحة لأهدافه وفي شخصيته ولم يستسلم أبدا لا للظروف القاسية ولا للصعاب التي فرضها العدو عليه.
اعتقل في 11 فيفري 1955 وصدر في حقه حكم بالإعدام وسجن بسجن الكدية بقسنطينة، ليفر منه في ديسمبر 1955، ويلتحق بالثورة إلى أن وافته المنية.عندما سافر إلى فرنسا، أسس هناك نقابة وترأسها للدفاع عن حقوق العمال الجزائريين، هناك وقف أكثر فأكثر على التعسف والظلم والحرمان الذي كانت تفرضه فرنسا على الجزائريين..أمام هذه المعادلة الصعبة، اختار شهيدنا عدل الإله الذي وعد عباده المجاهدين بجنات النعيم، وبكل ثقة، ودون تردد اختار طريق الكفاح والشهادة لدحر الغزاة الغاصبين.
في نفس التاريخ-أي 22 إلى 23 مارس من سنة 625 استشهد سيد الشهداء، أسد الله حمزة بن عبد المطلب على يد وحشي بأمر من هند ابنة عتبة في معركة أحد.وفي نفس التاريخ أيضا من سنة 2004 استشهد شيخ فلسطين أحمد ياسين أمير الشهداء.من أقوال مصطفى بن بولعيد:لا أكلف أحدا منكم بهذا الطريق الخطير قبل أن ألزمه على نفسي، فإذا نجوت وعدت فسوف تذهبون واحدا بعد الآخر، وإذا ما أسرفت..
وقال أيضا:حاولوا دائما حتى ولوكانت نسبة النجاح تبدو ضئيلة جدا، فإذا فشلتم قيل أنهم حاولوا، وفي ذلك رجولة وفخروقال:نحن جيش لم نتدرب ولم نملك أسلحة عصرية، ولم تكن لدينا حصون ولكن لم نكن هدفا سهلا لنيران العدو أبدا، وسوف ننتصر بإرادة الله..
❊ وفي ليلة 4 إلى 5 مارس من سنة 1957، استشهد البطل العربي بن مهيدي أسطورة الثورة الجزائرية الذي لعب دورا كبيرا في التحضير للثورة المسلحة وهو أحد مفجريها.
ولد في قرية الكواهي بعين مليلة، ولاية أم البواقي في سنة 1923، تلقى معظم تعليمه في مدينة باتنة ثم قسنطينة، انضم إلى فوج الكشافة الإسلامية سنة 1939 بمدينة بسكرة، كانوا يلقبونه بـزاباثا (الثأر المكسيكي) الذي كان يحب مشاهدة فيلمه، كما كان بن مهيدي أيضا ممثلا بارع، وقد مثل في مسرحية في سبيل التاج التي تروي قصة تهدف إلى نشر الوطنية في صفوف الشباب الجزائري وتحثه على الجهاد ضد المستعمر الفرنسي.
كان بن مهيدي محمد العربي أول قائد للمنطقة الخامسة وهران- وهو من قاد معركة الجزائر سنة 1957، اعتقل في شهر فيفري 1957، واستشهد على يد السفاح أوساريس الذي اعترف بذلك سنة 2001 عبر صفحات جريدة لوموند الفرنسية، حيث قال بالحرف الواحد إنني أنا الذي قتلت بن مهيدي شنقا بيدي..، هذا ما قاله الجنرال بول أوساريس، أما الجنرال مارسيل بيجار، ففقال فيه:لو أن لدي 3 أشخاص من طراز بن مهيدي لغزوت العالم...
أما بن مهيدي فقد قال عبارات سجلت بأحرف من ذهب في تاريخ الجزائر منها القوا بالثورة إلى الشارع، يحتضنها الشعب، وقال أيضا إننا سننتصر لأننا نمثل قوة المستقبل الزاهر، وأنتم ستنهزمون لأنكم تريدون وقف عجلة التاريخ الذي سيسحقكم، ولأنكم تريدون التشبث بماض استعماري متعفن حكم عليه بالزوال...
في نفس التاريخ ما بين 4 و5 مارس من سنة 1193 التحق صلاح الدين الأيوبي محرر القدس من يد الصليبيين بربه.

أما في 29 مارس من سنة 1959، فقد سقط في ميدان الشرف جنبا إلى جنب القائدان عميروش وسي الحواس، بجبل ثامر ببوسعادة وبرفقتهم 70 مجاهدا في ظروف غامضة أيضا..
عميروش أيت حمودة هو من مواليد 31 أكتوبر 1926 بقرية تاسافت أقمون في جبال جرجرة الشامخة، بدأ نشاطه النضالي في الأربعينيات حيث اعتقل آنذاك مرتين في سنتي1947 و1948، التحق بالثورة بناحية عين الحمام أين عين كمسؤول ولكن قدرته الكبيرة على تنظيم الجهاد جعلته يتدرج في المسؤوليات حتى أصبح مسؤولا عن ناحية القبائل، ثم قائدا للولاية التاريخية الثالثة سنة 1957 بعدما التحق كريم بلقاسم ومحمدي السعيد باللجنة التنفيذية في تونس.
وفي أواخر شهر مارس كلف برفقة سي الحواس بالاتصال بالقيادة في تونس، وتنفيذل للمهمة التقى عميروش وسي الحواس في مكان يسمى عين الملح بجبل ثامر بلدية سيدي امحمد دائرة عين الملح، ولاية المسيلة، حيث وقع العقيدان في اشتباك عنيف مع قوات العدو حيث استشهدا جنبا إلى جنب.
ومما قاله عميروش:إذا قلت فإن (إيكو الجزائر)، وسوستال لن يضيعا الفرصة لاستغلال الحدث، ولكن الشعب الجزائري ناضج لتحقيق الاستقلال والثورة إلى الأمام لأن الجزائريين يدركون أنهم لا يقاتلون من أجل عميروش ولكنهم يقاتلون من أجل الجزائر...
أما سي الحواس، فهو أحمد بن عبد الرواق حمودة من مواليد 1923، ببلدية مشونش في أعماق الأوراس، التحق بالثورة عند اندلاعها وبقرار من مصطفى بن بولعيد سنة 1955، انتقل سي الحواس إلى الصحراء لتوسيع رقعة الثورة هناك حيث راح يتنقل بين مختلف مناطق الصحراء للوقوف على كل احتياجات المجاهدين وبحث الترتيبات الواجب وضعها مع المناضلين لتحسيس المواطنين وتنظيم منطقة الصحراء، عين على رأس المنطقة الثالثة سنة 1957، ثم تولى قيادة الولاية السادسة بعد استشهاد علي ملاح.

في 27 مارس من سنة 1960، سقط قائد آخر من أحسن من أنجبت الجزائر بجبل بشار، هو العقيد لطفي المعروف باسم سي ابراهيم، واسمه الحقيقي بودغن بن علي، ولد بتلمسان في 05 ماي سنة 1934، نال شهادته الابتدائية سنة 1948، واصل دراسته الثانوية بوجدة، التحق بصفوف الثورة سنة 1955 رفقة زوجته التي كانت كاتبته الخاصة، كان في البداية مسؤولا عن قسم تلمسان وسبدو، قاد عدة عمليات بالجنوب الجزائري سنة 1956، عين قائدا على المنطقة الثامنة للولاية الخامسة في سنة 1957، وفي ماي 1958 رقي إلى رتبة عقيد، وعين قائدا للولاية الخامسة، سافر رفقة فرحات عباس إلى يوغسلافيا سابقا بحثا عن الدعم العسكري للثورة، وفي سنة 1960، وبعد انتهاء أشغال المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي عقد في طرابلس، عاد إلى أرض الوطن أين شاء القدر أن يستشهد يوم 27 مارس 1960 في معركة ضد قوات الاستعمار التي استعملت حتى الطائرات، وكان أصغر العقداء آنذاك، رحم الله شهداءنا الأبرار.
في مارس توفي أيضا كل من جمال الدين الأفغاني سنة 1897، والشيخ محمد الغزالي سنة 1996، وابن خلدون سنة 1406، وهارون الرشيد في 809، وراجيف غاندي والملك فيصل، وسامر صالح السويلم، والشيخ محمد الطنطاوي ومولود فرعون.
في شهر مارس أيضا، وبتاريخ 19 مارس من سنة 1962، تم الإعلان عن توقيع اتفاقيات إيفيان وإقرار وقف إطلاق النار.
إن لهؤلاء الشهداء حق علينا، من واجبنا أن نحط مسيرتهم ومواقفهم ونضالهم بأحرف من ذهب لكي لا يحكم علينا التاريخ بخيانتهم وخيانة وطننا، ولكي نبقى أوفياء لأنفسنا أيضا ..تلك هي القضية التي علينا أن نجد حلا لها لكي لا تذوب في هذا العالم المادي الذي أنسانا كل ما هو روحي وعقلاني..وهي ظواهر جديدة تثير مخاوفنا على مستقبل مجتمعنا وعلاقاته الإنسانية، الدينية والوطنية مما يخفيه هذا العالم المادي من مفاجآت، علينا أن نعتبر وننمي قدراتنا حتى نستطيع أن نمتلك الرؤية التي تؤهلنا لنكون طرفا فاعلا في حوار الحضارات لا طرفا سلبيا كل ما يفعله هو أن يستقبل فقط.
اليوم نلاحظ وبكل أسف ومرارة- أن هناك شعورا ما يقود لإرادة الشعوب نحو الضعف والتدهور والانكسار، وذلك لسبب واحد هو الماديات التي طغت علينا وأصبحت تتحكم فينا كما تشاء، وتملي علينا كل متطلباتها.
يحدث كل هذا في الوقت الذي تزداد فيه المغريات التي فرضت علينا لتقودنا إلى الانحراف واللهث وراء الملذات والمحرمات وجميع أنواع اللهو المباح وغير المباح.
هذا ما يستدعي اليوم، وفي مناسبة كهذه، وقفة جادة حيال هذه المسائل علّنا نستيقظ ونستفيق من هذه الغيبوبة ونحاول قدر المستطاع استرجاع ما تبقى لنا من العزة والرجولة والهمة العالية التي كان يتمتع بها القادة من أسلافنا وإلا فإن ما ينتظرنا من عواقب سوف يكون أسوأ وأوخم بكثير مما نتصور
والسلام عليكم ورحمة الله ولركاته