خطبة جمعة بمسجد الإصلاح
الموضوع: فضل الشهيد
13ربيع الثاني1435هـ 14/02/2014م
إمام المسجد: جعفر نورالدين
إن الحمد لله...أيها المسلمون:إننا نلج اليوم روضات الشهداء،ونستأنس بالحديث عنهم، ونتشرف بكلامنا عن مآثرهم التي جاء بها كتاب ربنا ونطقت بها سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.قال النووي رحمه الله:"وأما سبب تسميته شهيدًا فقيل لأنه حي؛ فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام"وقيل"إن الله تعالى وملائكته يشهدون له بالجنة.وقيل:لأنه شهد عند موته ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة".أيها المؤمنون: لقد استفاضت النصوص المبينة لفضل الشهادة في سبيل الله.فهم أحياء عند الله تعالى، يقول سبحانهوَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).
قال جابر بنُ عَبْدِ اللَّهِ: "لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ: مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟!"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ:"أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟!"،قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ:"إن الله كَلَّمَ أَبَاكَ فَقَالَ: يَا عَبْدِي: تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ، قال: يا رب: فأبلغ من ورائي"، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا), وفي صحيح مسلم أنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، قَالَ: " أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟! قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، ثم قَالُوا: يَا رَبِّ: نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".إن الشهادة اصطفاء من الله، مقام لا يكون لأي أحد، وإنما يخص الله به نخبة من عباده المؤمنينوَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء).
عباد الله: والشهداء هم أصحاب الأجر الوفير،والنور التام المنير (وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).ولا يمكن لأحد من أهل الجنة أن يختار الرجوع إلى الدنيا؛ لما يرى من واسع فضل الله وكبير نعمته، إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع لترتوي الأرض بدمائه مرة بعد مرة، ويتمنى أن تُمزق أحشاؤه في سبيل دينه، عن أنس بن مالك رضي الله عنهأنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلامقَالَ:"ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله مما يرى مما أعطاه من الكرامة".
أيها المسلمون: وكفى الشهداء فضلاً أن نبينا عليه الصلاة والسلام تمنى أن يكون شهيدًا، وأن يُقتل في سبيل الله مرات ومرات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ". لقد سأل رجلٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام:"مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلا الشَّهِيدَ؟! قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".وإنَّ من أفضل المناقبِ التي ينالها الشهداء ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام"مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ". فإذا قُتل الشهيد أظلته الملائكة بأجنحتها، قال جابر رضي الله عنه-:"لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَدْ مُثِلَ بِهِ، ثم سَمِعَ النبي عليه الصلاة والسلام صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ فَقَالَ:مَنْ هَذِهِ؟!، فَقَالُوا:بِنْتُ أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. فَقَالَ:وَلِمَ تَبْكِي؟! فَمَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ".ورأى النبي عليه الصلاة والسلام دار الشهداء فقال:رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي،فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".
يا للشهيد كأنه ملك*دنياه شامخة وأخراه/لله در أبيه من بطل*كالكوكب الدري تلقاه
مسك الجنان يفوح من دمه*والبدر يسطع من محياه/في الأرض ندفنه وفي قمم*الفردوس عند الله محياه
هذا الشهيد ألست تعرفه*العز بين يديه والجاه
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آياتٍ وذكر حكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين إنه غفور رحيم.
الحمد لله الّذي رفع شعار الإسلام، وشيّد منارها بنبيّه عليه الصّلاة والسّلام، وأبانها لخلقه واضحة المناهج والأعلام، وجعل من أعظمها وآكدها جهادا في أعدائه الكفرة اللّئام، وبذل الأموال والأنفس من أجل ما ينجّي من النّار ويوصل إلى دار السّلام، وجعل محبّة الكافرين من أعظم المهلكات إذا زلّت في القيامة الأقدام، نحمده ونشكره، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله الأعلام، وصحابته البررة الكرام.
أمّا بعد: اسمع يا عبدالله لما قاله ابن النحاس رحمه الله في فضل الشهادة: إن مما يجب اعتقاده أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنيّة لكل أحد مصيب وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الريّ في شُرب كأس الحتوف، وأن من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، وأن الشهداء عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طير تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر، وأنه لا يحس ألم القتل إلا كمس القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرةٍ وغصّة.الشهيد قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام"لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِه".عبد الله:هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا في أجل المحالّ في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكوابا، وادّرعوا من التنعيم أثوابا، ومتعوا بجنان الفردوس مستقراً ومآبا، وتمتعوا بحورٍ عينٍ كواعب أترابا، فهل من بعد هذه الكرامة من كرامة؟! وهل من بعدها من بشارة؟!ولذلك قال الشهيد وهو يُحلِّق في السماء:

لاَ تَحْزَنُوا يَا إِخْوَتِي*إِنِّي شَهِيدُ الْمِحْنَةِ/وَكَرَامَتِي بِشَهَادَتِي*هِيَ فَرْحَتِي وَمَسَرَّتِي
وَلَئِنْ صُرِعْتُ فَذَا دَمِي*يَوْمَ الْقيَامَةِ آيَتِي/الرِّيحُ مِنْهُ عَاطِرٌ*وَاللَّوْنُ لَوْنُ الوَرْدَةِ
آجَالُنا مَحدُودَةٌ*وَلِقَاؤُنَا في الْجَنَّةِ/وَلِقَاؤُنَا بِحَبِيبِنَا*بِمُحَمَّدٍ وَالصحْبَةِ
اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الزيغ والفساد وانشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد. اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها, اللهم باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب.اللهم اغفر لنا ذنوبنا صغيرها وكبيرها.اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفوا عنا.اللهم اغفر لنا جدنا وهزلنا.اللهم لك أسلمنا وبك أمنا فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت اعلم به منا.اللهم تب على التائبين واغفر لهم ذنوبهم أجمعين.اللهم اجعل وطننا هذا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين, اللهم اصرف عن بلدنا هذا الغلىوالوبا والزنا والزلازل والمحن وعن سائر بلدان المسلمين اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة اللهم وفقهم وأعنهم لما فيه صلاح العباد والبلاد, رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين والآخرين, عباد الله اذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه عل نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.